وهبة الزحيلي

275

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

به أنه يحق لك أن تمشي هكذا ، وقد كفرت بخالقك وبارئك ، كما يقال في مثل هذا على سبيل التهكم والتهديد ، وهو كقوله تعالى : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [ الدخان 44 / 49 ] وقوله سبحانه : كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا ، إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ [ المرسلات 77 / 46 ] وقوله عز وجل : فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [ الزمر 39 / 15 ] وقوله عز من قائل : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [ فصلت 41 / 40 ] . قال قتادة والكلبي ومقاتل : أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيد أبي جهل ، ثم قال : أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ، ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى توعده ، فقال أبو جهل : بأي شيء تهددني ؟ لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا ، وإني لأعزّ أهل هذا الوادي ، ثم انسلّ ذاهبا ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ، كما قال له الرسول عليه الصلاة والسلام . ولما كان يوم بدر أشرف على القوم فقال : لا يعبد اللّه بعد هذا اليوم ، فقتل إذ ذاك شرّ قتلة . ثم أقام اللّه تعالى دليلين على صحة البعث لتأكيد ما جاء في أول السورة : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ : الأول - أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أي أيظن أن يترك الإنسان في الدنيا مهملا ، لا يؤمر ولا ينهى ، ولا يكلف ، ولا يحاسب ولا يعاقب بعمله في الآخرة ؟ وهذا خلاف مقتضى العدل والحكمة ، فلا بد من الجزاء حتى لا يتساوى المؤمن والكافر ، والطائع والعاصي ، واقتضت الحكمة الإلهية تأجيل الجزاء إلى عالم الآخرة ، وترك تعجيله ، ليتسنى وجود الفرصة المواتية الكافية في أثناء العمر والحياة للإيمان والصلاح ، كما قال تعالى : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى [ طه 20 / 15 ] . وقال سبحانه : أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ ص 38 / 28 ] .